الشيخ محمد الصادقي
356
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
يحسب من رؤوس أموالهم عما تلف ، فلله أن يعفو عن عباده ما لهم من حق عمن عليه فيما فيه مصلحة وحكمة ثم يجبر النقص بما يراه لهم يوم القيامة ، تعبيدا لسبيل التوبة وتسهيلا للإنابة ، وكما فعل للذين كفروا « إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ » . وفي ذلك أمثال عدة قضية المصلحة الإسلامية كفرض الصدقات والنفقات وفرض تجهيز الميت دونما بديل ، وإصلاح أموال اليتامى حيث يجب الاستعفاف على الغني ، ونصيب من الزكاة للمؤلفة قلوبهم وما أشبه . فآكل الربا إذا كان مضغوطا عليه بأن يتحمل رد كلما أخذه ، كانت التوبة عبئا عليه ، فإنها انتقاله كقفزه من أكل بالباطل دونما مشقة ، إلى فناء الحياة الاقتصادية مع كل مشقة ، فقوله تعالى « له ما سلف - ولكم رؤوس أموالكم » سماح للتائب عن الربا بالنسبة لكل ما سلف وليس عنده أصله ولا بديله ، اللّهم إلّا مقابلا له بعضا أو كلا وهو رأس ماله ، فلو لم يعف عن ذلك لكانت حياته موتا ، و « لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ » تعني وسطا بين الأمرين ، فليس له كل ما أخذ باقيا وسواه ، ولا عليه رده كله باقيا وسواه ، إنما عليه « ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا » سلفا وعينا أو بديلا ، ثم « لكم رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ » وذلك وسط بين الأمرين وفيه فرض التنازل لدافع الربا عن بعض ما دفع ، وفرض الرد لآخذ الربا كل ما بقي سلفا أو حاضرا . وتلك حكمة ربانية تربية للنفوس المؤمنة بتعاون ، وجذبا للمرابين إلى التوبة . ثم « لكم رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ » ولو لم يكن له مفهوم ، فغير رؤوس أموالكم محرم عليكم ، فإن قضية القاعدة أن ليس لكم شيء إلّا بعد ما استثني ما أخذتم من الربا ، ولكن « لكم رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ » استثناء عما أخذتم ، قدر رؤوس